الشيخ محمد هادي معرفة
331
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
تقرير أنّ الامّة تعدّ متكافلة في شؤونها العامّة ، وأنّ ما يفعله بعض الفرق أو الجماعات أو الزعماء يكون له تأثير في جملتها ، وأنّ المُنكَر الذي يفعله بعضهم إذا لم ينكر عليه جمهورهم ويزيلوه يؤاخذون به كلّهم . قال تعالى : « وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً » . « 1 » وهذا من سنن الاجتماع البشري أنّ المصائب والرزايا التي تحلّ بالأمم بفشوّ المفاسد والرذائل فيها لاتختصّ الذين تلبّسوا بتلك المفاسد وحدهم ، كما وأنّ الأوبئة التي تحدث بكثرة الأقذار في الشعب وغير ذلك من الإسراف في الشهوات تكون عامّةً أيضا . « 2 » * * * قال الراوندي : وسألوا عن قوله تعالى : « فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ » . « 3 » قالوا : كيف جمع اللّه بينه وبين قوله : « لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ » ؟ « 4 » وهذا خلاف الأوّل ، لأنّه قال أوّلًا : « نبذناه » مطلقا ، ثمّ قال : « لولا أن تداركه لنُبذ بالعراء » فجعله شرطا ! الجواب : معنى ذلك : لولا أنّا رحمناه بإجابة دعائه لنبذناه حين نبذناه بالعراء مذموما . . . فالآية الثانية لاتنفي النبذ بل تنفي النبذ في حالة كونه مذموما . فلا تنافي بين الآيتين . قال : وسألوا عن قوله تعالى : « وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ » . « 5 » في حين أنّ اسم أبيه في التوراة تارح . قال : والصحيح أنّ آزر ما كان أبا لإبراهيم . وقد ذكرنا في موضعه أنّ آزر كان عمّا له ، ويقال : إنّه تزوّج بامّ إبراهيم بعد موت أبيه تارح ، فكان إبراهيم ربيبه وابن أخيه . واستعمال الأب في مثل هذا متعارف . قال : وسألوا عن قوله : « وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً » . ثمّ قال : « قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا » . « 6 » وهذا يدلّ على أنّ غيره لا يعلم بمدّة لبثهم ، في حين أنّه أعْلَمَنا
--> ( 1 ) - الأنفال 25 : 8 . ( 2 ) - تفسير المنار ، ج 10 ، ص 326 - 327 . ( 3 ) - الصافّات 145 : 37 . ( 4 ) - القلم 49 : 68 . ( 5 ) - الأنعام 74 : 6 . ( 6 ) - الكهف 25 : 18 و 26 .